في سوق انتقالات محموم ومتغيِّر باستمرار، قد تكون هناك قيمة في عدم التحرُّك. مانشستر يونايتد عاش، وفقاً لمعايير أندية الدوري الإنكليزي الممتاز الكبرى، سوق انتقالات صيفياً هادئاً. فلم تكن صفقتاه الرئيسيّتان من النوع الصاخب أو اللافت الذي يخطف الأنظار. فقد انضمّ أندريه سانتوس (22 عاماً) من تشلسي مقابل 48 مليون جنيه إسترليني ومليونَي جنيه إسترليني محتملين من المكافآت التي يسهل تحقيقها. أمّا يوري تيليمانس (29 عاماً)، فوصل من أستون فيلا، بعدما فعّل يونايتد شرطه الجزائي البالغ 35 مليون جنيه إسترليني، وخاض أولى دقائقه بديلاً في التعادل الودي 1-1 مع باريس سان جيرمان في مدينة غوتنبرغ السويدية.
ستتعالى المطالب بإضافات جديدة قبل الموعد النهائي في الأول من أيلول، لكنّ غياب التغيير الشامل في الفريق سمح للمدرب مايكل كاريك بالحفاظ على الاستقرار الذي أعاده بعد توليه المسؤولية موقتاً في كانون الثاني، عقب فترة مضطربة للغاية امتدّت 14 شهراً تحت قيادة روبن أموريم. واختار كاريك التشكيلة عينها في 4 من أصل 17 مباراة له في الـ»برميرليغ» الموسم الماضي، وهو إنجاز لم يحققه أموريم سوى مرّة واحدة.
وقد استمر هذا التفضيل للاستمرارية خلال فترة الاستعداد الحالية للموسم، وهي فترة يجري فيها المدربون عادةً الكثير من التغييرات. وكان استبدال نصير مزراوي بليني يورو التغيير الوحيد مقارنةً بالفوز 2-1 على أتلتيكو مدريد في ستوكهولم، إذ قاوم كاريك إغراء إشراك برونو فرنانديز أو تيليمانس أساسيَّين منذ البداية أمام باريس سان جيرمان، على رغم من أنّهما كانا متاحَين للمرّة الأولى بعد عطلتهما التي أعقبت كأس العالم.
تقلّبات 13 عاماً
شكّلت الاضطرابات والتقلّبات سمة أساسية للعصر الذي امتد 13 عاماً في «أولد ترافورد» بعد السير أليكس فيرغسون، إذ كان يونايتد ينتقل من مدرب وفلسفة إلى آخر. إحدى طرق تقييم حالة عدم الاستقرار تلك تتمثل في معدّل تغيُّر عناصر الفريق.
في يونايتد، ارتفع معدل تغيّر عناصر الفريق بشكل حاد خلال العقد الماضي، وهي فترة تراجع فيها حضور النادي من النقاش حول سباق اللقب. ولا بدّ من القول إنّ فريق كاريك لا يزال بعيداً من العودة إلى دائرة الحديث باعتباره منافساً على البطولة.
من المغري النظر إلى سوق الانتقالات باعتباره علاجاً شافياً لأوجه القصور التي يعاني منها الفريق، والاعتقاد بأنّ بضع صفقات باهظة ستمنحه دفعة هائلة في طريق العودة إلى المجد.
ولم يجسّد أي فريق هذا التفكير أكثر من باريس سان جيرمان لم يتذوَّق النجاح في دوري أبطال أوروبا، إلّا بعد التخلّي عن هوسه بالنجوم الكبار والتحوُّل إلى نهج أكثر اتزاناً في بناء الفريق، يرتكز على أسلوب لعب محدَّد بوضوح.
وعلى مقربة من يونايتد، أظهر ليفربول مخاطر إجراء عملية تجميل باهظة الثمن، بعدما أنفق مبالغ قياسية على فلوريان فيرتز وألكسندر أيزاك، لينحدر بعد ذلك سريعاً من بطل إلى المركز الخامس.
نواة التطوير
بدلاً من ذلك، من شأن وجود نواة ثابتة على مدى فترة أطول، أن يساعد كاريك في مواصلة تطوير الهوية التكتيكية لهذا الفريق، وتحسين مستوى اللاعبين الموجودين بالفعل تحت تصرفه، والسماح للانسجام وروح الفريق بالنمو بصورة طبيعية.
وقد كان هذا التفكير متسقاً مع رسائله طوال فترة تولّيه القصيرة للمهمّة. وبعد الفوز على أتلتيكو، أشاد تحديداً بروح الفريق، وتحدَّث عن قيام المجموعة ببناء «طبقات مختلفة مع مواصلتنا الدفع إلى الأمام». إنّها مجموعة من اللاعبين جرى تجميعها بتكلفة باهظة، وتتمتع بموهبة كافية لإيجاد حلول داخلية لمختلف التحدّيات التكتيكية أو مشكلات اللياقة البدنية.
ومن الأمثلة الجيدة على ذلك، إصابة الساق التي أبقت المهاجم بنيامين شيشكو خارج مباريات فترة الاستعداد للموسم. وبدلاً من البحث في السوق عن بديل مباشر، وربما باهظ الثمن، أشرك كاريك خطاً هجومياً مرناً مؤلفاً من 4 لاعبين، مع تولّي برايان مبومو دور المهاجم الاسمي.
وقد فتح هذا التعديل الباب أمام أماد ديالو، الذي تألّق على الجهة اليمنى بأداء حركي، وأزعج باريس بمراوغاته الحادة، وصنع تمريرة حاسمة لمبومو، إذ تبادلا مواقعهما بسلاسة طوال المباراة، وتعاونا بشكل جيد، وطوّرا رابطاً قوياً داخل الملعب.
مراكز تحتاج إلى التدعيم
هذا لا يعني أنّ على يونايتد أن يبقى سلبياً تماماً خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من سوق الانتقالات. فقد خرج ماسون ماونت مصاباً في عملية تبديل اعتبرها كاريك احترازية. لكنّها كانت تذكيراً آخر بهشاشة ماونت البدنية، وينبغي للنادي أن يستهدف خياراً بديلاً أكثر موثوقية. ويمكن أيضاً لمركز الظهير الأيسر أن يستفيد من التعزيزات، مع قلة الخيارات المتاحة لتعويض لوك شو، الذي كان سجلّه البدني متذبذباً خلال مسيرته الممتدة 12 عاماً في مانشستر.
لكنّ تأمين هذه الإضافات يأتي في مرتبة ثانوية، مقارنة بالحاجة الأكثر إلحاحاً إلى بناء وتطوير تشكيلة أساسية قوية من 11 لاعباً، وهو مجال أحرز فيه كاريك تقدُّماً كبيراً. فبالنسبة إلى التشكيلة الأساسية الأولى، هناك حجة تقول إنّ يونايتد يحتاج إلى إنفاق مبالغ كبيرة للتعاقد مع لاعب أكثر قوّة بدنية في خط الوسط، مثل ديكلان رايس وإليوت أندرسون. لكن هناك أكثر من طريقة لبناء فريق ناجح، وليس من الضروري أن ينساق النادي وراء هوس الـ»برميرليغ» بالقوّة البدنية والبنية الجسدية في وسط الملعب.
في ظلّ هذه الظروف، تبدو حكمة يونايتد المالية منطقية. وعلى أرض الملعب، قد تكون منطقية أيضاً، إذ تمنح كاريك ولاعبيه المساحة لالتقاط الأنفاس، والتطور، ومواصلة التقدم.